شبكة روشير للتنمية و الأعمال
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم ويشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

شبكة روشير للتنمية و الأعمال

منتدى ودردشة زهرة كوباني wen be xer hatene ser forum Gula Kobani
 
الرئيسيةKOBANIمكتبة الصوربحـثالتسجيلزهرة كوبانيدخولtwitter
اهلا وسهلا بكم في منتدى كولا كوباني

شاطر | 
 

 قصّة الطوفان الأسود

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مامد شيخو
عضو جديد
عضو جديد


المشاركات : 5
تاريخ التسجيل : 08/10/2012

مُساهمةموضوع: قصّة الطوفان الأسود   الثلاثاء أكتوبر 09, 2012 10:29 pm



{{ الطوفان
الأسود }}


لم تشرق الشمس منذ أيام طويلة ، وكأنها
غادرت هذه السموات التي لم تعد فيها سوى سحب فاحمة ترشق وجه الأرض مطرا أسود يصبغ
كل الأشياء باللون القاتم
.
هذا المطر القاتل للزرع والثمر ، وحتى
للأعشاب الملتصقة بالصخور ، ينهمر منذ أيام لذا انتشرت في أزقة القرية المتعرجة
رائحة العفونة ، ورائحة روث البقر ، وبعر الماعز ، لتطغى على رائحة البشر
.

أقفرت الحقول والدروب ، من الناس ، ولاذت
الحشرات إلى شقوقها ، ولم تعد تسمع زقزقة عصفور أو صدى ضحكة تخرج من أحدى زوايا
القرية
.
الكل قلق على مصير بذاره في جوف الأرض ، أو
ثمار أشجاره التي انتظرها مدى عام ، وبهائمه التي قارب علفها على النفاد
.

في كل صباح يستيقظ العجائز على أمل أن تكون
السماء قد ابتسمت لهم أخيرا ، لكن سرعان ما يشيحون بوجوههم ، ويعقدون ما بين
حواجبهم ، فيختفي الأمل
.
القرويون البسطاء كانوا ينظرون بعيون غائبة
في الحزن إلى مصير قريتهم
)) أم صخر )) وهي تتهاوى في الهلاك ، وكانت قد سميت بهذا الاسم نسبة إلى
مكانها المتموضع أسفل صخرة كبيرة على منحدر بين جبلين ، لقد فقدت ثوبها الأخضر ،
وإطلالتها الجميلة وتقلقل نبض الحياة شيئا فشيئا في أوردتها ، راح القلق ينخر عقول
أهلها بشدة
:
ـ إلى متى ... ؟
والآخر يقول بحسرة :
ـ حتى مياه النبعة تلوثت .. إنها نهايتنا !
ويتابع الذي بجانبه دون أن يرفع بصره :
ـ يبدو أنها نهاية سوداء .
لكن )) أبو طلحت )) هو أشد المغتاظين لأنه أكثرهم أملاكا ، لذا فهو يطلب حلا
سريعا ، ولايهمه إن كانت معجزة ، لتنتشل أملاكه من الضياع ، أما الحاج
)) أ بو ياسين (( الذي كان
يحاور المختار مباشرة لأنه اعتاد الجلوس على يمينه دائما لكبر سنه فقد كان يقول
:
ـ إنها مصيبة وحلت على رؤوسنا يامختار ،
ففي كل يوم يزداد الأمر سوء ، وأيامنا باتت على وتيرة واحدة ، تبعث الهم والأسى
والقلق من القادم ، بصراحة فقدنا الأمل
.
هنا همهم الجميع :
ـ فقدنا الأمل !!!! نعم ....
بهكذا كلمات كانوا يصوّرون عجزهم ومأساتهم
كل مرة في مضافة المختار
)) أبو أيوب ((تحت تهديد المطر المستمر الذي ينقر على النوافذ ينذر ، ويتوعد ،
والمختار يرفع رأسه بين الفينة والأخرى ليقول
:
ـ حسبنا الله ونعم الوكيل !!
والأمور مختلطة في رأسه .
وفي كل مرة أيضا ، كانت تنشب مشادّات ،
وملاسنات ، ونقاشات حادة ، تكاد تتطور إلى تلاكم بالأيدي ، بين الشيخ عبد الجليل
إمام مسجد القرية وجماعته ، وبين الأستاذ نادر ، معلم أولاد القرية الوحيد وجماعته
من الشبان المتحمسين لأفكار الكتب ، التي يأتي بها الأستاذ من المدينة
.
كان الشيخ يجزم بأن هذا المطر القاتل هو
لعنة من السماء ، أما الأستاذ فهو يصرُّ على أنه تلوث بيئي ، ومن هذين المنطلقين ،
كانت تمتد وتتفرع حوارات ساخنة ، وكل متحدث من الطرفين كان يُرغي ، ويُزبد ، وهو
يدافع عن مبدئه ، وحدقتا عينيه تتوسعان ، والشرر يتطاير منهما ، والقرويون صامتون
، يتأملون من كل هذا خيرا مفضيا إلى حل
.

ذات صباح استيقظوا على صوت بكاء ، ونواح
يصدر من أحد بيوت القرية ، فهرعوا مستطلعين . كان الصوت ينبعث من بيت(( أبو
إبراهيم
(( وزوجته تضع رأس ابنها ((
سليمان (( ذا السنوات العشر على ركبتها ، وتبكي ، والطفل يئن و يصارع آلامه و أبو
إبراهيم يجلس على عتبة بيته يمتص سيجارته ، وينفث دخانها بمرارة ، محملقا إلى
السماء ، وكأنه يحاورها ، وعند الظهيرة كان الطفل يحتضر على الرغم من كل محاولات
الإنقاذ له
فتح
الطفل عينيه ، ونظر إلى أمه ، حاول أن يقول شيئا ، لكن خيطا من الدم تدفق من فمه ،
وانطفأت عيناه ،و سكنت أطرافه ، ومات
.
علا نواح الأم ، وبكى أبوه ، والغضب يخنقه
، وهو يلعن المطر الأسود ، الذي اصطحب معه الجوع والوباء ، و سلبه فلذة كبده
.
بعدها كثرت اجتماعات أعيان القرية ،
وازدادت الخسائر ، كما ازدادت الملاسنات ، والمشاحنات بين الشيخ عبد الجليل ،
والأستاذ نادر ، بل قيل أن شابا من جماعة الأستاذ قد حاول شد لحية الشيخ والنيل من
هيبتها لولا تدخل المختار ، والآخرين ، فطرده الأستاذ لأنه على حسب رأيه خرج عن
سلوكهم الذي يدعوا إلى الحوار
.
جرى كل هذا على مرمى نظر أبو إبراهيم الذي لم يتمالك نفسه ، فإذا به يقفز كالملدوغ ويركض نحو الباب ، وهو
يغمغم بكلمات غير مفهومة ، وماهي إلا لحظات حتى جاءهم خبر عن نيته الرحيل عن
القرية
.
وبالفعل عند وصولهم إلى بيته كان الرجل
وأبناؤه ينقلون الأثاث خارجا وعلى الفور تدخل المختار
:
ـ إلى أين يا أبو إبراهيم ؟

ـ إلى حيث لا يوجد هذا المطر .. ولا الشيخ ولا
الأستاذ
!
قال ذلك وهو يتابع حمل الأثاث .
ثم تابع دون أن يكلّف نفسه الاستماع لأي
كلام
:
ـ تبا للقيل والقال ... تبا للكتب
والشعارات

ثم توقف وكأنه وجد الكلمات المناسبة التي
يودُّ قو لها
:
ـ تبا للنظريات والمبادئ ، يا أخي هاتوا
حلا ، ثم قولوا ما يحلو لكم ، نحن لا نفقه شيئا مما تتفوهون به ، ولكن كنا نأمل
خيرا ، أما الآن فأنا لست مستعدا لأخسر المزيد من أفراد أسرتي، سوف أرحل تاركا لكم
كل القرية
.
وبعد وعود من المختار ، وحلف الأيمانات ،
عدل عن رأيه ، شرط أن يفيها المختار في أقرب وقت
.
ومنذ ذلك اليوم ، ظهرت جماعة جديدة في
القرية يترأسها
أبو
إبراهيم شعارها **إما الحلول السريعة ، وإما الرحيل عن القرية **

لكن النزاعات بقيت على حالها في المضافة ،
سوى أن كل فريق يحاول أن يكسب أبو إبراهيم إلى صفه
.
وفي إحدى الصباحات بينما القرية تستيقظ وهي
ما تزال تترنح تحت غطائها الأسود ، والموت يلفها من كل جانب ، ارتفع صراخ أحدهم من
الجهة العلوية من صوب الجبال ، وهو يدخل أزقة القرية، فبرزت الرؤوس من الأبواب هنا
وهناك ، ونبح كلب ، وصدر من إحدى الحظائر خوار بقر ة تحتضر ، والصوت يقترب مفجوعا
يصرخ بجنون
:
ـ يا أهالي القرية .. يا مختار .. إنه
الموت .. استيقظوا
!
جفلت أرواحهم ، ركضوا إليه بينما كان
الراعي النحيل متوجها إلى المختار
:
ـ إنها نهايتنا ... الموت خلفي تماما .
أحاطوا به أمام بيت المختار ، وكان قلبه
يغلي ، ونفسه تفيض بالذعر ، والكلمات تقف في حلقه، والزبد يتطاير من فمه ، اجتاز
المختار الواقفين بخطوات سريعة ، وانتصب أمام الراعي يتأرجح
:
ـ هدئ من روعك يابني ، وحدثنا عن هذا الموت
الجديد الذي تصطحب أخباره معك
.
لكن الشاب كانت ماتزال أحشاؤه تتلوى من هول
مارآه ، وفراديس وجهه لا تُفسر تحت الصبغة السوداء ، يبدو أنه قد بقي تحت المطر
طويلا
.
صمت الجميع و ساد السكون قليلا ، اللهم إلا
لهاث الراعي(( هو شان ))وصوت المطر الذي يرتطم بالأرض
.
كانت قلوب القرويين قد بلغت حناجرهم ،
وأجسادهم ترتعش ، وكأنها تعلن عدم احتمالها المزيد
.
مزق صوت المختار السكون :
ـ تكلم .. هات ماعندك .
وبدأ هوشان الكلام :
ـ يامختار إنه الموت بعينه ، بشرفي الموت
الأكيد ، يجب أن نرحل ، أن نترك هذه القرية الملعونة، وإلا أصبحت قبرا جماعيا
يبتلعنا جميعا
.
أخذ نفسا عميقا ، واستدار نحو القرويين :
ـ الصخرة .. الصخرة الكبيرة ، تلك التي هناك
بين الجبلين
.
وأشار بيده نحو الهناك ، فاقشعرت الأبدان ،
وطارت الأبصار نحو الجبلين ، فو قهم ، وكاد هوشان ينفجر بالبكاء ، ليعبر بالدموع
عما شاهده
:
ـ الصخرة .. إنها تحبس وراءها بحيرة عظيمة من المياه ، بشرفي إنها لن تقاوم دفعها
لو استمر سقوط الأمطار أكثر ، لأني كنت هناك ، وسمعت بأذني قرقعتها ، وهي تتقهقر
.
وسقط على الأرض وكأنه يقول بذلك 00إني بلغت
وعليكم العمل 00

توقفت القلوب عن الخفقان ، والحناجر عن
الكلام ، والأجساد تسمّرت و فارقتها الحركة ، ونهضت في العيون صورة قرية جائعة
متفسخة يلتهمها طوفان أسود ، يسحقها بلا رحمة
.
وعلى الفور خرَّ الشيخ عبد الجليل ساجدا
يبكي ، ويرفع يديه إلى السماء
:
ـ العناية ... العناية .. إننا ضعفاء .
لكنها لطخت وجهه بالصبغة السوداء ، جلس
المختار القرفصاء ممسكا رأسه براحتيه ، يحوقل في خيوط المياه وهي تنساب بين الوحول
صامتا ، واستند العجوز أبو ياسين إلى جدار المضافة، كانت أسنانه تصطك ، وشفتاه
ترتجفان ، وأنفاسه متقطعة ، يبدو عليه أنه يقاوم كي يظل واقفا
.
واحتارت نظرات القرويين بين الصخرة ، وبين
الأعيان ، وخلف صفوف الرجال كادت النساء يغشى عليهن ، والأطفال يتعلقون بأطراف
أثوابهن ، ازداد نحيب الشيخ ، و علا نشيجه ، وراح يمّرغ وجهه بالوحل ، انتفخت عروق
رقبته ، وصاح في الجميع
:
ـ اسجدوا أيها العصاة ، أقسم إنها لعنة ،
حلّت عليكم عقابا لكم
.
وتمرغ الجميع بالطين ، وكل منهم يعدد في
سره أخطاءه ، ويعتقد أنه هو المسؤول عما يحلّ بالقرية
.
وتدخل الأستاذ من جديد :
ـ أيها الجاهل أنت تسلّمهم قرابين للموت ،
ألا تخجل من نفسك ، إن الآن وقت العمل

هيا أيها الأخوة ، لندعّم الصخرة ، ونرمّم
شقوقها ، ونفتح لها مسارب من الجانب الآخر
.
أعجب القرويون بهذا الرأي ، فنهضوا .
عندما شاهد الشيخ ذلك ، حشد جماعته مرة
أخرى ، وبدأ يدافع عن موقفه بحزم ، واندلع النزاع مجددا ، وراحوا يتراشقون النعوت
والشتائم ، ولكن هذه المرة لم يكتف أبو إبراهيم بالمشاهدة والمراقبة عن بعد . بل
انقض عليهم مع جماعته ، واشتعل العراك ، وراحت الهراوات الغليظة ، ترتفع وتنزل ،
والمختار ما يزال يتنهد
:
ـ حسبنا الله ونعم الوكيل !
لكن ذلك لم يدم طويلا ، فلقد سمع الجميع
دوي انفجار كبير من الجهة العلوية من صوب الجبال
.

قصة : مامد شيخو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصّة الطوفان الأسود
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة روشير للتنمية و الأعمال :: قسم الأبداعات الأدبية :: القصص القصيرة و الرويات-
انتقل الى: